المقريزي

6

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

وجميع الأماكن التي تعرف اليوم بمراغة مصر وبالجرف إلى الخليج عرضا ، ومن حيث قنطرة السّدّ إلى سوق المعاريج طولا ، كان غامرا بماء النّيل ، إلى أن انحسر عنه ماء النّيل بعد سنة ستّ مائة من سني الهجرة ، فصار رملة . ثم اختطّ فيه الأمراء ممّا يلي النّيل آدرّا عندما عمّر الملك الصّالح نجم الدين أيّوب قلعة الرّوضة « 1 » ، واختطّ بعضه شونا إلى أن أنشأ الملك النّاصر محمد بن قلاوون جامعه المعروف بالجامع / الجديد النّاصريّ ، ظاهر مصر ، فعمر ما حوله « 2 » . وقد كان عند فتح مصر سائر المواضع التي من منشأة المهراني إلى بركة الحبش طولا ، ومن ساحل النّيل بموردة الحلفاء ، وتجاه الجامع الجديد إلى سوق المعاريج ، وما على سمته إلى تجاه المشهد الذي يقال له مشهد الرّأس - وتسمّيه العامّة اليوم مشهد زين العابدين - كلّها بحرا لا يحول بين الحصن والجامع ، وما على سمتهما إلى الحمراء الدّنيا التي منها اليوم خطّ قناطر السّباع ، وبين جزيرة مصر التي تعرف اليوم بالرّوضة ، شيء سوى ماء النّيل . وجميع ما في هذه المواضع من الأبنية ، انكشف عنه النّيل قليلا قليلا « 3 » ، واختطّ على ما يتبيّن لك في هذا الكتاب . ذكر الحصن الذي يعرف بقصر الشّمع اعلم أنّ هذا القصر أحدث بعد خراب مصر على يد بخت نصّر ، وقد اختلف في الوقت الذي بني فيه ومن أنشأه من الملوك ، « a » فذكر الواقديّ أنّ الذي بناه اسمه الرّيّان بن الوليد بن أرسلاوس « 4 » . وكان هذا القصر يوقد عليه الشّمع في رأس كلّ شهر ، وذلك أنّه إذا حلّت الشّمس في برج من البروج ، أوقد في تلك الليلة الشّمع على رأس ذلك القصر ، فيعلم النّاس بوقود الشّمع أنّ الشّمس انتقلت من البرج الذي كانت فيه إلى برج آخر غيره . فلم « b » يزل القصر على حاله إلى أن خربت مصر زمن بخت نصّر بن نيروز الكلداني ، فأقام خرابا خمس مائة سنة ، ولم يبق منه إلّا أثره فقط ؛ فلمّا غلب الرّوم على مصر وملكوها من أيدي

--> ( a - a ) غير موجود في ظ . ( b ) بولاق : ولم . ( 1 ) انظر فيما يلي 2 : 183 - 185 . ( 2 ) انظر فيما يلي 2 : 304 . ( 3 ) عن انحسار ماء النيل وانتقاله غربا انظر فيما يلي 158 - 163 . ( 4 ) الواقدي : فتوح مصر والإسكندرية 41 .